سيد قطب
3414
في ظلال القرآن
وأنه أهلك عادا الأولى . وثمود فما أبقى . وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى . والمؤتفكة أهوى . فغشاها ما غشى . فبأي آلاء ربك تتمارى ؟ « هذا نذير من النذر الأولى . أزفت الآزفة . ليس لها من دون اللّه كاشفة . أفمن هذا الحديث تعجبون ، وتضحكون ولا تبكون ، وأنتم سامدون ؟ « فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا » . . وذلك « الَّذِي تَوَلَّى ، وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى » . . الذي يعجّب اللّه من أمره الغريب ، تذكر بعض الروايات أنه فرد معين مقصود ، أنفق قليلا في سبيل اللّه ، ثم انقطع عن البذل خوفا من الفقر . ويحدد الزمخشري في تفسيره « الكشاف » شخصه ، أنه عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - ويذكر في ذلك قصة ، لا يستند فيها إلى شيء ، ولا يقبلها من يعرف عثمان - رضي اللّه عنه - وطبيعته وبذله الكثير الطويل في سبيل اللّه بلا توقف وبلا حساب كذلك ؛ وعقيدته في اللّه وتصوره لتبعة العمل وفرديته « 1 » . وقد يكون المقصود شخصا بذاته . وقد يكون نموذجا من الناس سواء . فالذي يتولى عن هذا النهج ، ويبذل من ماله أو من نفسه لهذه العقيدة ثم يكدي - أي يضعف عن المواصلة ويكف - أمره عجيب ، يستحق التعجيب ويتخذ القرآن من حاله مناسبة لعرض حقائق العقيدة وتوضيحها . « أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ؟ » . . والغيب للّه . لا يراه أحد سواه . فلا يأمن الإنسان ما خبئ فيه ؛ وعليه أن يواصل عمله وبذله ، وأن يعيش حذرا موفيا طوال حياته ؛ وألا يبذل ثم ينقطع ، ولا ضمان له في الغيب المجهول إلا حذره وعمله ووفاؤه ، ورجاؤه بهذا كله في مغفرة اللّه وقبوله . « أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى . . . » . . وهذا الدين قديم ، موصولة أوائله وأواخره ، ثابتة أصوله وقواعده ، يصدّق بعضه بعضا على توالي الرسالات والرسل ، وتباعد المكان والزمان . فهو في صحف موسى . وهو في ملة إبراهيم قبل موسى . إبراهيم الذي وفّى . وفّى بكل شيء . وفّى وفاء مطلقا استحق به هذا الوصف المطلق . ويذكر الوفاء هنا في مقابل الإكداء والانقطاع ، ويذكر بهذه الصيغة ( وفّى ) بالتشديد تنسيقا للإيقاع المنغم وللقافية المطردة . فما ذا في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفّى ؟ فيها : « أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » . . فلا تحمل نفس حمل أخرى ؛ لا تخفيفا عن نفس ولا تثقيلا على أخرى . فلا تملك نفس أن تتخفف من حملها ووزرها . ولا تملك نفس أن تتطوع فتحمل عن نفس شيئا ! « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » . .
--> ( 1 ) قال : « روي أن عثمان - رضي اللّه عنه - كان يعطي ما له في الخير . فقال له عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح - وهو أخوه من الرضاعة - يوشك أن لا يبقى لك شيء . فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا . وإني أطلب بما أصنع رضى اللّه تعالى ، وأرجو عفوه . فقال عبد اللّه : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها ! فأعطاه وأشهد عليه ، وأمسك عن العطاء . فنزلت ! » . . . وهي رواية ظاهرة البطلان فما هكذا يتصور عثمان !